Thursday, January 29, 2009

La Dolce Vita - Dr. Galal Amin contribution to Turath V. 2 - 4th Q 2008


ماذا حدث للحياه الحلوة في مصر
د. جلال أمين
--------------------------------
في مطلع الستينات من القرن الماضي ظهر فيلم إيطالي للمخرج الشهير فلليني حاز شهرة واسعه و تردد اسم الفيلم بعد ذلك و شاع استخدامه للدلاله علي نمط معين من الحياه. كان اسم الفيلم الحياه الحلوة La Dolce Vita و قد رسم الفيلم صورة لم تكن مألوفه بعد (و إن اصبحت مألوفه بعد ذلك) لحياة شريحه اجتماعيه مترفه تتمتع بوقت فراغ طويل ( أو لعل حياتها كلها وقت فراغ) و تقضيه في الاستمتاع بما سماه الفيلم "الحياه الحلوه". كانت مصادر الاستمتاع بالحياه الحلوه في نظر هذه الشريحه الاجتماعيه تتلخص في ثلاثه اشياء: الجنس و الأكل و الشرب و التغيب عن العالم بالاستغراق في أحلام جميله عن طريق تعاطي المخدرات

كان ظهور و انتشار هذا النمط الجديد من الحياه نتيجه تكاد ان تكون حتميه لفتره النمو الاقتصادي السريع و غير المسبوق و الذي حدث في الغرب في أعقاب الحرب العالميه الثانيه مع النجاح في تحقيق العماله الكامله أي اختفاء البطاله، و تطبيق نظام عرف بدوله الرفاهيه welfare state يوفر للناس السلع و الخدمات الضروريه باسعار زهيده للغاية أو دون مقابل

من البديهي ان هذا النوع من "الحياه الحلوه" كان جديدا تماما علي دول الغرب الصناعيه، ظهر لأسباب تاريخية خاصة ثم تطور مع الزمن لأسباب تاريخيه ايضا مع ما حدث من تغير منذ ذلك الوقت في مستوي الدخول و ما ظهلر من اختراعات و سلع استهلاكيه حديثه لم تكن معروفه من قبل. لا شك اذن ان معني "الحياه الحلوة" في أوروبا و أمريكا يختلف الان اختلافا كبيرا عن معناه عندما ظهر ذلك الفيلم منذ نحو نصف قرن
خطر ببالي أن اتتبع مفهوم "الحياه الخلوة" في مصر منذ طفولتي و حتي الأن فأذا بي اكتشف تطوراتها في هذا المفهوم خلال الستين عاما الماضيه مما يثير تساؤلات كثيرة عن أسبابه و مغزاه. لازلت اذكر جيدا درجة التواضع الذي كان يتسم به مفهوم "الحياه الحلوه" عند الطبقات المختلفه في مصر في الاربعينيات من القرن الماضي. من السهل أولا أن نستبعد أكثر من ثلاثة أرباع الشعب المصري الذي كان لا يكاد يجد ما يسد رمقه في ذلك الوقت أو يحمي به قدميه اذا سار في الشارع. نعم كانت هناك طبقه مترفه و ان كانت صغيره للغايه لا تتجاوز 1 % من السكان و لكن الترف الذي كانت تتمتع به هذه ؟ الصغيره من الناس كان محدودا بالضروره بحدود التكنولوجيا المعروفه في ذلك الوقت و ما كانت تتيحه من سلع الاستهلاك، كما كان محدودا أيضا بدرجه اتصال هذه الطبقه بالغرب و مدي نعرفتها بمستويات الاستهلاك في الدول الأعلي دخلا
نفس الملاحظه تنطبق علي الطبقه الوسطي المصريه التي لم تكن تشكل أكثر من 20% من السكان في الأربعينيات، فقد كانت الحياه الحلوه في نظرها محكومه بهذه الأشياء الثلاثه: مستوي الدخل، نوع السلع التي يمكن انتاجها بالتكنولوجيا المعروفه وقتها، و درجة اتصال هذه الطبقه بالعالم الأكثر ثراء
مما كانت تتكون "الحياه الحلوه" في نظر الطبقه الوسطي المصريه في أربعينيات القرن الماضي، و هي الطبقه التي أعرفها أكثر مما أعرف غيرها؟ دعنا نتذكر أولا انه فيما يتعلق بالأكل و الشرب و الملبس كانت فرص استيراد السلع الاجنبيه الي داخل مصر محدودة بنفقات و سرعه وسائل التقل المتاحه في ذلك الوقت.

لم يكن الطيران التجاري (بل و لا حتي الطيران المدني كله) في ذلك الوقت، و هو ما كان يفرض حدودا صارمه لما يمكن استيراده من مأكولات أو مشروبات، كما ان استيراد الملابس الأجنبيه كان يكاد يقتصر علي استيراد " القماش الانجليزي" و لا يشمل حتي البدله الجاهزة أو الفستان الجاهز، بل كان يعتمد في ذلك علي خياطين مصريين
نعم دخلت زجاجه الكوكا كولا الي مصر في منتصف الأربيعنيات و لحقت بها البيبسي كولا بعد قليل، و لكن ظلت كلاهما عاجزه عن قهر زجاجه "الاسيانس" المصنوعه في مصر (و التي كانت قريبه في مذاقها من زجاجه السفن أب الحاليه) و الأهم من هذا أنه لا هذه الزجاجه و لا تلك كانت قادلره علي تغيير معني ارواء الظمأ الذي استمر في ذلك الوقت و لفتره طويله بعد ذلك لا يعني الا "تناول كوب من الماء" و ليس تناول مشروبا غازيا محلي بالسكر
استمر المصريون من الطبقة الوسطي اذن طوال الاربعينات يعتمدون في غذائهم و شرابهم و ملابسهم علي المتاح من انتاج بلدهم، و لا يدخل في تكوين "الحياه الحلوة" في نظرهم تناول مأكولات أو مشروبات أو ملابس مستورده. كذلك كان معني المسكن الجيد و الأثاث الذي يمكن الطموح اليه بدوره معني متواضعا للغايه. كانت هناك بالطبع أحياء سكنيه أرقي من غيرها، فالزمالك و مصر الجديده كانت بلا شك أرقي من باب الشعرية و القلعه في القاهره. كما كانت أحياء استانلي و رشدي و سان ستيفانو في الاسكندريه أرقي من حي الأنفوشي و محرم بك، و لابد أنه كان من قبيل التمتع بالحياه الحلوة أن تسكن في النوع الأول من أحياء القاهره و الأسكندريه مما قد يمكنك مثلا من ان تكون عضوا في نادي الجزيره أو هليوبوليس أو سبورتنج مما لا يوجد لها مثيل في الأحياء الشعبيه و لكن حتي دخلت ؟؟؟؟؟؟ بيوت الطبقه الوسطي في مصر في الأريعينيات لم تجد في نمط الحياه أو نوع الأثاث المستخدم الإ أقل القليل مما يمكن أن يوصف بلوازم "الحياه الحلوه". فالثلاجه و الغساله الكهربائيه لم تدخلا بيوت الطبقه المتوسطه الا في أواخر الاربعينيات اذ كان الاعتماد إما علي القلل الفخار أو علي الثلاجه التي يوضع بها لوح من الثلج يجري استبداله كلما ذاب من الحراره، و علي الغساله الآدميه التي تأتي بنفسها الي البيوت أو علي مجهود ربه البيت نفسها
لم يكن الخشب يستخدم كأرضيه للبيوت كما يستخدم الباركيه الان، فالارض كلها بلاط يجري مسحه بانتظام و لم يكن السجاد يستخدم بكثره و كان أكثره علي اي حال مما يسمي "بالكليم" المصنوع محليا . من غافله القول بان استيراد الحمامات من الخارج لم يكن شيئا معروفا للطبقة الوسطي المصريةبما في ذلك سخان المياه الذي يعمل بالكهرباء أو بالغاز، و انما كان المستخدم بدلا منه صفيحه تملأ بالماء و يجري تسخينها علي أرض الحمام ببابور الجاز الذي كان معروفا باسم ماركة النوع المستورد - بريموس - ان ما سوف يدهش بلا شك من لم يعش فترة الأربعينيات في مصر هو كيف كانت الطبقة الوسطي تعتمد اعتمادا يكاد يكون كليا علي وسائل المواصلات العامه: الترام و المترو و الأوتوبيس و القطار، حيث كان التنقل بسيارة خاصه شيئا نادرا للغايه و مقصورا علي الطبقة العليا. لم تكن السيارة الخاصه اذن من عناصر "الحياه الحلوه" في نظر الطبقي الوسطي ناهيك عما يسمي الان "بالكماليات" التي توضع في السياره من جهاز التكييف الي الراديو الي أجهزة التسجيل ... إلخ. كانت السيارة الخاصه اذن شيئا نادرا و حتي إذا وجدت فقد ظلت لفتره طويله حتي بعد الاربعينيات ينظر اليها نظره وظيفيه بحته لا كوسيله من وسائل التمتع بالحياه. فقد ظل استخدام السيارة الخاصه (إن وجدت) مقصورا علي من تجاوزوا سن الشباب ممن لم يتعلموا قياده السيارات فيوظفوا سائقا خاصا للتنقل من المنزل الي مكان العمل و بالعكس، و ليس لقضاء وقت لطيف مع الأصدقاء و الصديقات، أي للتمتع "بالحياه الحلوه" و علي كل حال فحتي بفرض أن شابا سمح له بقيلده سيارة في ذلك الوقت فأين كان من الممكن أن يذهب بها و مع من؟ البنات مسجونات في البيت حتي يأتينهن العريس المناسب و المطاعم قليله جدا اذ لم تكن انتشرت بعد عاده تناول الطعام خارج المنزل
لم تكن حياه الطبقه الوسطي في مصر في الأربعينيات بائسه علي الاطلاق و لكنها كانت ابعد ما يكون عما كان يعنيه الفيلم الايطالي "الحياه حلوه" إذ احتاج الوصول الي هذه الحاه الحلوه تحقق أشياء كثيره لم تتحقق في مصر الا بعد انقضاء ما لا يقل عن ربع قرن اخر من الزمن
===========
http://en.wikipedia.org/wiki/La_Dolce_Vita

No comments:

Post a Comment